الجصاص

320

أحكام القرآن

أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " وفي بعض الألفاظ : " وما فاتكم فاقضوا " ، فأمر النبي عليه السلام بقضاء الفائت من صلاة الإمام ، والذي فاته أربع ركعات فعليه قضاؤها ، وأيضا قد صح له الدخول في آخر صلاته ويلزمه سهوه وانتفى عنه سهو نفسه لأجل إمامه ، كذلك لزمه حكم صلاته في الإتمام . وأيضا لو نوى المسافر الإقامة في هذه الحال لزمه الإتمام كذلك دخوله مع الإمام ، ويكون دخوله معه في التشهد كدخوله في أولها ، كما كانت نية الإقامة في التشهد كهي في أولها ، والله أعلم . فصل قال أبو بكر : وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن صلاة سائر المسافرين ركعتان في أي شئ كان سفرهم من تجارة أو غيرها ، وذلك لأن الآثار المروية فيه لم تفرق بين شئ من الأسفار . وقد روى الأعمش عن إبراهيم أن رجلا كان يتجر إلى البحرين ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : كم أصلي ؟ فقال : " ركعتين " . وعن ابن عباس وابن عمر : " أنهما خرجا إلى الطائف فقصرا الصلاة " . وروي عن عبد الله بن مسعود قال : " لا تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد " . وعن عطاء قال : " لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من كان في سبيل الله " . فإن قيل : لم يقصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حج أو جهاد . قيل له : لأنه لم يسافر إلا في حج أو جهاد ، وليس في ذلك دليل على أن القصر مخصوص بالحج والجهاد ، وقول عمر : " صلاة السفر ركعتان على لسان نبيكم " عموم في سائر الأسفار ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " عام أيضا في سائر الأسفار ، وكذلك قوله لأهل مكة : " أتموا فإنا قوم سفر " ولم يقل " في حج " دليل على أن حكم القصر عام في جميع المسافرين . ولما كان ذلك حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار فيه كالمسح على الخفين ثلاثا ، ومن يتأول قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع الأسفار إذا كان خائفا من العدو ، ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف إذا كان سفره في غير جهة القربة وجب مثله في سائر الأسفار ، لأن أحدا لم يفرق بينهما ، وقد بينا أن القصر ليس هو في عدد الركعات . والذي ذكرناه في القصر في جميع الأسفار بعد أن يكون السفر ثلاثا هو قول أصحابنا والثوري والأوزاعي . وقال مالك : " إن خرج إلى الصيد وهو معاشه قصر ، وإن خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر " . وقال الشافعي : " إذا سافر في معصية لم يقصر ولم يمسح مسح السفر " . قال أبو بكر : قد بينا أن ذلك في شأن المضطر في سورة البقرة .